قيم تشكيلية في الشعر العراقي

المقاله تحت باب  محور النقد
في 
30/10/2012 06:00 AM
GMT




منطلقاً ممّا بات أقرب إلى قناعة راسخة لدى كثيرين، بولادة الفنون جميعها سواء أكانت قوليّة أم مرئيّة من رؤية بالعين لعناصر مختلطة في صورة أولى تتسم بالتشوش، والفوضى، والضبابيّة، وتخضع لخيال نشط يجتهد في انتخاب عدد من تلك العناصر المختلطة، لتشكّل بالتحامها مع بعضها نواة صورة جديدة مقترحة لتحولات مفتوحة يصنعها الخيال، وتنتهي بإنتاج تكوين صوري ذي عضويّة مهيّأة للتفتح والحياة، وبالوسع تمثيلها بمادة بصريّة أو لغويّة، منطلقاً من هذه القناعة يحاول خالد خضيّر، وهو ناقد تشكيليّ مثابر، أن يختبر عُدّته النقديّة المنتمية إلى حقل التشكيل، في قراءة نصوص شعريّة مستعيناً بعدد من المفاهيم التي أنتجها هذا الحقل، وخاصّة مفهوم (الشيئيّة) الذي أطلقه هيدغر في كتاب عنوانه وموضوعه (أصل العمل الفني).
 
وعلى مدى الصفحات التي كتبها خالد خضير نجد الرّسم يجازف بإطلاق عينه المبصرة في حقل لغويّ خاصّ ويدفع بها، بلا تحفظ، من أجل أن يرى- الرسمُ- ألوانه، وخطوطه، وأشكاله، وسطوحه، وفضاءاته كيف تقلّبت في كلماتٍ قُدِّر لها، هي الأخرى، أن تصنع، بمنطقها الخاص، التأثير الذي اجتهد بصناعته، بطريقته الخاصّة، على سطح مرئي. لن يحتاج الرسم وهو يجتاح نصّاً لغوياً ليقرأه بعينيْه إلى تفويض من أحد، مادام هذا النصّ يستعين بتينك العينين ليرسم مخلوقاته، وإنْ بكلمات. ألم تقل غيرترود شتاين: إنّني، ككاتبة، أكتب بعينيّ؟ سيجد الرسمُ عائلته هناك في حقل الشعر، ولن يروعه، أنها تتصرّف بأهواء القاطنين في هذا الحقل، مادامت هذه الأهواء توأمات أهوائه. وحيث تنفتح الحدود بين الشعر والرسم تجري عمليات تبادل مصالح بين الاثنين، وتغدو الصورة مجالاً حيوياً يستثمر فيه الشعر والرسم رأسماليهما وطاقاتهما في إنتاج نصّ ذي طبيعة هجينة تضافرت في تشكيلها قوى مخلوقيْن لم يكفا عن تمثيل قرابتهما ورغبتهما في أن يتباريا على سطح موحّد. من يستطيع أن ينكر اليوم ذهاب الرسم في الشعر، ونزول الشعر في الرّسم؟ من يقدر على دحض جوهر عملهما المشترك القائم على الرؤية والتشكيل؟ أليس هناك من أطلق على ضرب من الشعر ذي نزعة تصويريّة بالشعر التشكيليّ؟
 
إنّ الرسم والشعر عاشا في وفاق دوماً، وفي صداقة يُغبطان عليها، في أغلب الحضارات، وفي صلة لا تتقطّع أسبابها، وتعلّم أحدهما من الآخر، وما يزالان يتجاوران، أو يتداخلان، ويلتصقان ببعضهما كتوأمين يحكي أحدهما حكاية الآخر بمتعة. وما يجعل الشعر والرسم قريبيْن من بعضهما تمركزهما في الانشغال بقيم التشكيل الجمالي لعناصرهما الأساسيّة.. وعلى أساس إحساسهما بجوهرهما المشترك راح الرسم يتدخل في حياة الشعر، ومضى الشعر يتدخل في حياة الرسم، وصار بإمكانهما أن يأتلفا في نص مشترك على سطح جامع تتفاعل فيه قواهما ووسائلهما، وتتحاوران صانعتيْن دراما مشتركة من الكلمات والخطوط والألوان. وإذن غدا ممكناً تحقيق تداخل، أو دمج مثاليين بين الرسم والشعر في فضاء موحد يسمح بتعميق تضافر عناصرهما الأساسية عن طريق تطويع الكلمات، وتحويلها إلى أشكال مرسومة على سطح تصويريّ. كتاب الناقد خالد خضيّر بمقالاته المكتوبة في أوقات متفرقات يظل بحاجة إلى بناء تصوّر موحّد يسند رؤية الناقد التشكيليّ وهو يجوس أرض الشعر بمعناه النصي الواسع، ويصلح مدخلاً لقراءاته. وكان بالوسع اختبار كلّ عنصر من عناصر اللّغة البصريّة في عدد من تجارب الشعر للتعرّف على طبيعة اشتغالها في أي نصّ لغوي تحوّلت إليه، وعلى هذا يمكن أن ينقسم الكتاب على فصول تختبر الخط، واللون، والشكل، والسطح، والفضاء، ومعاينة سلوك كلّ منها في الحقل الذي انتقل إليه...
 
 
ختاماً:
سيجد قارئ هذا الكتاب متعة في اقتفاء خطوات الرسّام وهو يتسلل إلى حقل الشعرخاصة، والى حقل اللغة بمعناها الاوسع؛ ليبذر بذراته الملوّنات في الأرض التي تأنف من أن يستقلّ بها كائنٌ ما وحده.